خطبة بعنوان التقوى.
تعريف التقوى مع الأدلة القرآنية.
معنى التقوى وفوائده واهميته.
الحمدلله الذي بلغنا رمضان وأوصلنا إليه وأنعم علينا بالصيام والقيام فيه إنه كريم يحب الإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الديان، جعل بابا خاصا في الجنة للصائمين يقال له الريان، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله خير من صام رمضان وغيره، وخير من قام وعرف الله قدره، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحابته وأتباعه إلى يوم الدين.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران:١٠٢]. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحده وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}. [النساء :١]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} [الأحزاب:٧٠-٧١]. أما بعد عباد الله وقفة نقفها مع آية من كتاب الله عند قوله تعالى :يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون فهذه الآية دلت على أن الغاية الكبرى من هذا الصيام هو حصول تقوى الله بفعل اوامره وإجتناب نواهيه المقصود من مشروعية الصيام تحقيق التقوى، قال سبحانه: "... كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" [البقرة:من الآية ١٨٣]، وليس الإمساك عن الطعام والشراب مقصوداً لذاته، ولكنه وسيلة إلى المقصود الذي هو التقوى. فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فتقوى الله جماع الخيرات، وحصون البركات، أكثر خصال المدح ذكرا في كتاب الله. ما من خير عاجل ولا آجل، ولا ظاهر ولا باطن إلا والتقوى موصلة إليه ووسيلة له ودليل عليه. وما من شر عاجل ولا آجل، ولا ظاهر ولا باطن، إلا والتقوى حرز منه حصين، ودرع منه مكين.
هي وصية الله للأولين والآخرين :ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أنِ اتقوا الله [النساء: ١٣١]. هي دعوة الأنبياء، وشعار الأولياء، فكل نبي يقول لقومه :ألا تتقون [الشعراء :١٠٦].وأولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون. حق علينا أيها الأخوة ان نقف عندها، ونتأمل فيها ونتدبر في معانيها لعل الله أن يجعلنا من أهلها. والتقوى في أصلها أن يجعل العبد بينه وبين ما يخاف ويحذر وقاية. وربنا تبارك وتعالى هو أهل التقوى. هو الأهل وحده أن يخشى ويعظم ويجل ويكرم. التقوى كما يقول علي رضي الله عنه :(الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والإستعداد ليوم الرحيل). والتقي من عباد الله ذو ضمير مرهف، وخشية مستمرة، وحذر دائم، يتوقى أشواك الطريق، وجل من تجاذب الرغائب والشهوات، ونوازع المطامع والمطامح. وتبلغ التقوى تمامها - كما يقول أبو الدرداء - رضي الله عنه - :حين يتقي العبد ربه مثقال الذرة، وحتى يترك بعض ما يرى انه حلال، خشية ان يكون حراماً، ليكون حجابا بينه وبين الحرام. فإن الله بين للعباد الذي يصيرهم إليه فقال: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره[الزلزلة:٧-٨]. وفي كتاب ربكم أيها الأخوة - نعوت لأهل التقوى، وإشادة بذكرهم، ورفعة من شأنهم، وإطناب في وصفهم، فالمتقون في كتاب الله :الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والآخرة هم يوقنون [البقرة :٣-٤]. والمتقون في كتاب الله: الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [آل عمران :١٣٤-١٣٥]. التقوى تفتح مغاليق القلوب واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: ٢٨٢]. وهداية القرآن لاتكون لغير ذوي النفوس التقية والقلوب الزكية. تتوقى الضلالة، وتتجنب سبل الغاية. بالتقوى يكون الفرقان بين الحق والباطل وبها العرفان الذي تنجلي به الأمور، والنور الذي تنشرح به الصدور يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم [الحديد:٢٨]. القبول في أهل التقوى محصور إنما يتقبل الله من المتقين[المائدة :٢٧]. والقدح المعلى من الكرامة في نواصيهم معقود إن أكرمكم عند الله اتقاكم [الحجرات: ١٣].
هم الناجون من السعير :وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً[مريم :٧١-٧٢]. وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون[الزمر:٦١]. ولهم الفوز بدار الحبور تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا[مريم:٦٣]. وصفهم علي رضي الله عنه فقال: هم أهل الفضل؛ منطقهم صواب، وملبسهم في اقتصاد، ومشيهم في تواضع، غضوا أبصارهم عن الحرام، ووقفوا اسماعهم على ما يستفاد. نزلت أنفسهم منهم البلاء كما نزلت في الرخاء. عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم. قلوبهم محزونة. شرورهم مأمونة. مطالبهم في هذه الدنيا خفيفة وأنفسهم عما فيها عفيفة.
صبروا أياماً قصيرة فأعقبهم راحة طويلة. يصفون في الليل أقدامهم، يرتلون قرآنهم. جاثون على الركب. يطلبون النجاة من العطب. لا يرضون من الأعمال الصالحة بالقليل،ولا يستكثرون منها الكثير. من ربهم وجلون، ومن أعمالهم مشفقون. يتجملون في الفاقة، ويصبرون في الشدة، ويشكرون على النعمة، قريب أملهم، قليل زللهم. الخير منهم مأمول، والشر منهم مأمون.
أمة الإسلام :ولا يتجلى الصدق في التقوى حين يتجلى إلا عندما يستوي عند العبد تقاه في سره ونجواه. وقد قال المصطفى لمعاذ:((اتق الله حيثما كنت)) [١].وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى :واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا[النساء: ١]. إذا هل حقق التقوى من يدخل عليه الشهر الكريم ويخرج ولم يحرك ساكناً، فصلاته مضيعة، ومنكراته مستمرة، فإن لم يزده رمضان بعداً عن الله فلم يزده قرباً. أم هل حقق التقوى ونال ثمرة الصيام من حافظ على الصلوات وتصدق وقرأ القرآن وتخفف من المنكرات لكنه ما إن يهل شهر شوال حتى يعود كما كان في شعبان.
وهل حقق التقوى من يصوم ويصلي ويقرأ القرآن لكنه لا يتورع عن تضييع ليالي هذا الشهر الكريم في جلسات وسهرات منكرة قد امتلأت بالغيبة والمشاهد المحرمة. ذكر القرطبي وابن كثير ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى : فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك؟ قال: بلى، قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى.. وقد اخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: خل الذنوب صغيرها.... وكبيرها ذاك التقى، واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحتقرن صغيرة ان الجبال من الحصى
فتقوى الله تعد بمثابة الرأس للجسد، والروح للبدن، لأنها هي التي تجعل المرء يبتعد عن المحرمات وتشحذ همته لفعل المأمورات، وهي التي يفرق بها المؤمن بين الحق والباطل وذلك لإن من يتقي الله يجعل له فرقانا كما قال سبحانه"يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" وهي كذلك سبب لسعة الرزق والمخرج من كل ضيق يؤكد ذلك قوله جل وعلا في سورة الطلاق : "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" فأحرصوا إخوة الإيمان على تقوى الله في هذا الشهر استفادة تكون زادكم وعدتكم بقية العام
فنحن في شهر رمضان في شهر التقوى جعلني الله وإياكم من عباده المتقين. ثم صلوا وسلموا على من أمركم ربكم بالصلاة والسلام عليه فقال في محكم تنزيله، وهو الصادق في قيله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى الصحابة أجمعين، اللهم آت أنفسنا تقواها، وزكها انت خير من زكاها، انا وليها ومولاها. اللهم طهر قلوبنا من الشرك والشك والنفاق وسوء الأخلاق.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يارب العالمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن جميع بلاد المسلمين يارب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.